السيد محمد الصدر

160

ما وراء الفقه

الرابعة السابقة التي قطعها اللَّه على نفسه بالرحمة لعباده . فيلتفت العبد إلى ذلك . ويتوقعها من ربه . المرحلة التاسعة : طلب توجيه هذه الرحمة إليه وتنفيذ ذلك الوعد الذي قطعه اللَّه سبحانه على نفسه بقبول التوبة وإبعاد النقمة كما في الدعاء : اللهم افعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله . فما يكون العبد أهلا له هو العقوبة وما يكون الرب سبحانه أهلا له هو العفو . وهذه المرحلة هي الاستغفار أي طلب المغفرة والرحمة . ويصدق - نظريا - : الاسترحام وهو طلب الرحمة والاستعفاء وهو طلب العفو . وإن لم يكن استعماله غالبيا . بل تصدق الاستتابة أيضا ، وهي طلب التوبة . لأن طلب التوبة قد يكون من فرد إلى فرد ، وهو الغالب . وقد يكون من الرب إلى عبده ، كقوله تعالى * ( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى ا للهِ ) * . وقد يكون من العبد إلى ربه وذلك بالاستغفار . وقد عرفنا أن العبد يتوب إلى ربه والرب يتوب على عبده . فكذلك كل منهما يطلب التوبة من الآخر . وإذا تذكرنا ما قلناه من أن التوبة هي الرجوع ، فكما يطلب الرب من عبده الرجوع إليه كذلك يطلب العبد من ربه الرجوع إليه والتوبة عليه . كل ما في الأمر أن الفرق بين الرجوعين ثابت فرجوع العبد إلى ربه رجوع ذلة وخشوع ورجوع العبد إلى ربه رجوع عزة ورحمة ولطف . كما عرفنا من مثل قوله : من تاب اللَّه عليه ، أن اللَّه سبحانه مستعد لإجابة طلب عبده وراغب بالتوبة عنه والرجوع إليه . وعندئذ تجتمع الرغبتان وتتوافق الإرادتان في رجوع بعضهما إلى بعض : عن العبد والرب . فلا يبقى لهذا الرجوع مانع ولا يوجد عنه دافع . فيحصل الرجوع والتقارب المعنوي بين العبد وربه من جديد . وبذلك تكون التوبة قد حصلت وأنجزت .